أبي منصور الماتريدي
446
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
اشتهى بعضهم زيارة بعض ، ولا يكونون مدبرين ؛ ولا معرضين ، بل مقبلين ، يخبر عن اجتماعهم في الآخرة في الشراب ، وأنواع المطاعم على ما يستحسن في الدنيا الإخوان بينهم الاجتماع على الشراب والطعام ، والتلذذ ، والنظر بعضهم إلى بعض ، فعلى ذلك أخبر أن لهم في الآخر كذلك اجتماع في الشراب ، والنظر ، وأنواع التلذذ والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ . أي : عناء ومشقة ، أخبر أنه لا عناء يمسهم كما يكون في الدنيا ؛ لأن في الدنيا : من أطال المقام في موضع يملّ عن ذلك ويسأم ، وكذلك إذا أكثر من نوع من الطعام « 1 » ؛ أو الشراب ، أو الفاكهة - يملّ عن ذلك ويسأم ، ويؤذيه ، ولا يوافقه ، فأخبر أن أهل الجنة لا يملون ولا يؤذيهم طعامها ؛ وإن أكثروا . وقوله - عزّ وجل - : وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ . أخبر أنهم لا يخرجون منها ، ولا هم يطلبون الخروج منها ؛ كقوله : لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا [ الكهف : 108 ] ؛ لأن خوف زوال النعم ينغص « 2 » على صاحبها تلك النعمة ، وطعمها ؛ فأخبر أنهم فيها أبدا ، وتلك « 3 » النعمة لهم دائمة غير زائلة عنهم والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . قال بعضهم : نَبِّئْ عِبادِي أي : أخبرهم أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ لمن استغفرني وتاب عما ارتكب من معاصيه ، وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ لمن عصاني ، ولم يستغفر ، ولم يتب إليه . ويحتمل غير هذا ؛ وهو أن يقول : نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ لئلا ييئسوا من رحمتي ، ولا يقنطوا مني ، ولكن يرجون رحمته وعفوه « 4 » ، ويخافون عذابه ونقمته ، ونبئهم أيضا أن عذابي هو العذاب الأليم لئلا يكونوا آمنين أبدا ؛ فيكون فيه أمر بأن يبشر ، وأن ينذر ؛ كأنه قال بشر أوليائي أني أنا الغفور الرحيم لأوليائي ، وأن عذابي شديد أليم لأعدائي . وفي قوله : نَبِّئْ عِبادِي فيه بشارة ونذارة : أما البشارة : فهو قوله : أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ، و [ أما ] « 5 » النذارة : فهو قوله : وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ .
--> ( 1 ) في أ : المطاعم . ( 2 ) في أ : ينقص . ( 3 ) في ب : أو . ( 4 ) ينظر : اللباب ( 11 / 465 ، 466 ) . ( 5 ) سقط في ب .